ابن تيميه

217

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

القبور ، فلا يسافر إلى القبور . ولما لم يأمر اللّه به من الشرك والبدع بطريق الأولى ، فهذا أمر معلوم بالاضطرار من دين الرسول ، لكن لمن عرف دينه المتفق عليه بين علماء أمته ، فمن جعل هذا السفر مستحبا أو مشروعا أو استحلّ عداوة من نهى عنه وعقوبته ، فهذا محادّ للّه ولرسوله ، وهو المستحق للجهاد دون الآمر بما أمر اللّه به الناهي عما نهى اللّه عنه ، فإنه يجب نصره وموالاته ، كما يجب جهاد المخالف له ومعاداة ما أتاه من الباطل . وما استحبه علماء المسلمين وأجمعوا عليه من السفر إلى مسجد الرسول وزيارته على الوجه الشرعي فهذا مستحب بالإجماع لا ينازع فيه أحد ، فإن كانوا يجاهدون من نهى عن هذا فهذا لا وجود له . وإن جاهدوا أهل النزاع من المسلمين ، فمسائل النزاع إما أن لا يكون فيها جهاد بل جدال وبيان وحجة وبرهان ، وهذا جهاد باللسان ، وإما أن يكون فيها جهاد ، فيكون لمن خالف السنة والرسول ، لا من اتبع الكتاب والسنة ، وما كان عليه سلف الأمة . وحينئذ فعلى كل تقدير قد تبين أن المعترض وأمثاله من أهل البدع والضلال والكذب والجهل وتبديل الدين وتغيير شريعة الرسل هم أولى بأن يجاهدوا باليد واللسان بحسب الإمكان ، وإنهم فيما استحلّوه من جهاد أهل العلم والسنة من جنس الخوارج المارقين ، بل هم شر من أولئك ، فإن أولئك لم يكونوا يدعون إلى الشرك ومعصية الرسول ، وظنهم أنهم ينصرونهم ظن باطل لا ينفعهم ، كظن النصارى أنهم ينصرون المسيح ورسل اللّه ، وقد اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [ التوبة : 31 ] . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم لعدي بن حاتم لما قال له ما عبدوهم قال : « إنهم أحلّوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم » « 1 » . رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما وصححه .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 3095 ) وابن أبي حاتم في « تفسيره » ( 6 / 1784 / 10057 ) وابن جرير الطبري في « تفسيره » ( 10 / 81 / 61632 ) وابن أبي شيبة في « مصنفه » ( 13 / 411 ) والبيهقي في « السنن » ( 10 / 116 ) والطبراني في « الكبير » ( 17 / رقم : 218 - 219 ) والمزي في « تهذيب الكمال » ( 23 / 118 ) والخطيب البغدادي في « الفقيه والمتفقه » ( 2 / 129 - 130 / 753 ) وابن عبد البر في « جامع بيان العلم وفضله » ( 2 / 975 - 976 / 1862 ) - معلقا - . من طريق : عبد السلام بن حرب ، حدثنا غطيف بن أعين ، عن مصعب بن سعد ، عن عدي بن حاتم به مرفوعا . وإسناده ضعيف . قال الترمذي : « هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب ، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث » . قلت : غطيف بن أعين الجزري المحاربي روى عنه عبد السلام بن حرب ، وأسد بن عمرو البجلي ، -